"كلّ شيء تغيَّر في حياةِ آدمَ منذ ظهورها، صحيح أنّ شيئاً لم يكن ينقُصهُ، لكنه حين رآها أدرك أن كلَّ الأشياء كانت ناقصة.
في كلِّ واحدٍ وواحدةٍ من البشر شيء ما مما في بَطلي هذه الرواية التي ترحل لبداية البدايات، لا لتتأمَّلها فحسب، بل لتتأمَّلنا
اليوم. رواية مكتوبة بالبصيرة عن مأساة الخروج من الفردوس، بلوّعَة التراجيديا حيناً، وبالسخرية السوداء حيناً آخر، فكلَّنا نتاج
تلك المأساة الأولى، ولكلِّ متّا نصيبه منها؛ هكذا، لا يكون آدم وحوّاء خلَّفَنا، بل معنا هنا في القرن الحادي والعشرين، كما لو أن ما يحدث
اليوم هو ما عاشاه، أو كما لو أننا نحن ذاكرة كل منهما ومرآته.
كيف يكون (الآن) ذاكرة للماضي، كما هو الماضي ذاكرة لكلِّ (آن)، ذلك ما يقدِّمه إبراهيم نصر الله في هذه الرواية العابرة للأزمنة بعيداً
عن تجهم الكتابة عن المآسي، وضحكٍ يشبه البكاء، وبكاءٍ ثمة فيه الكثير من ملامح الضّحك.
إنها رحلة في الإنسان، بقدر ما هي رحلة في الأزمان، يحضر فيها الراوي العليم بكل معارفه، في هذه الثلاثية المدهشة التي تحمل
اسمه، حيث تفصل آلاف السنوات أحداث الجزء الأول منها عن أحداث الجزء الثاني الذي صدر بعنوان "مصائد الرّياح"، كما أن كلّ جزء
في "ثلاثية الراوي العليم" يبدو مستقلّاً، لكن الوصول إلى المعنى لن يكتمل، بغير الإقامة في المحطات الثلاث متتابعة، فثقة نهران
متوازيان يعبران الثلاثية كلّها، نهر الإنسان بتحولاته، ونهر الراوي العليم بتحولاته أيضاً. وهي قبل هذا وبعده، رحلة لاستعادتنا،
لاستعادة القدرة على الدهشة، واستعادة الجمال قبل أفوله".